صمت رهيب ارخى بظلاله على الطريق الى الاسماعلية
الذى قطعه أبى مع عمى للتأكد من الخبر المشئوم
فلم يعلما بعد بصاحب حمدى الذى اتى بملابسة ليسلمها لامة فى البيت
الدقائق بطيئة و القلب يكاد يتوقف ابى يربط وسطه
بشال امى الابيض الى تضعه على كتفها فى
برد الشتاء
مرت اللحظات قاسية بين التمنى والخوف ، والجزع
والفزع حينأ وبين صدمة ان يكون الخبر كاذبا نعم ستكون صدمة قد توقف القلب قبل ان
يدرك احدهما حقيقة الأمر ، يمنى كل منهما نفسه ان يحدث اى شىء الا فاجعة الموت ، فكل
الاخبار يمكن تحملها وكل الاسقام يمكن دوائها وكل الاوجاع يمكن تداركها وكل الجروح
يتم الشفاء منها ، لكن وجع الفقد كبير ويترك فى القلب جرح لا يعرف مرارته الا من
ذاقه والا لماذا قال ربنا : ما لعبدي المؤمن جزاء إذا أخذت صفيه من أهل
الدنيا فاحتسب إلا الجنة
وهل من صفى اغلى من ابن فى ريعان شبابة ؟؟ ما
اذكر لصوته أن ارتفع ، او عقوق بقول او فعل ، محبوب بين زملائه لكن عمله به من
المخاطر ما لا يحمد عقباه الا بحول الله وقوته
ولقد رأيت كل ما نهى الله عنه عند حالات الموت
المفاجىء فى شارعنا وفى بيتنا من زوجة عمى وبنات عمى
ندب حتى الاغماء ، اهالة التراب على الرأس حتى لا
يكاد احدهم يرى امامه ، شد شعور وشق جيوب فقد كانت احداهن يذهب صوتها من كثرة
النحيب ، فلم ار ما رأيت فى تمثيل ولا
حقيقة لا قبل ولا بعد ولا تتورع احداهن ان
تأخذ من الأرض وتضع على رأسها بطينة و ترابه
كل هذا ومازال الامل قائم ان يُكذب الخبر ، امل
فى القلوب لا يستطيع أحد حتى أن يصرح به او يهون به عليهم من هول المصيبة
انا اقف فى مدخل بيت عم صبحى المقابل لبيتنا ،
يستعصى علي البكاء فلا ادرك هول المصيبة ، لكن ابكى لما اراه من حزن عميق ومصيبة
هائلة عمت الشارع كله ولا ابالغ اذا قلت والشوارع المحيطة والمنطقة برمتها
ساعات بطيئة ، عقارب الساعة تطلق فحيح مسموع لكل
ثانية تتحرك جهة اليمين
أذن
الظهر ولم يأت الخبر ، الانتظار يضاعف المأساة ويلقى بظلاله على السواد فيزيده
قتامه
فهمت
بعدها لماذا استعاذ النبى من فجأة الموت
صوت لسيارة قادم يتأهب الجميع ، يمنون انفسهم ان
يكون مصاب وفقط ، اهرش فى رأسى دون وعى
- كنا كلما سمعنا صوت اسعاف نهرش فى
رؤؤسنا لاعتقادنا انها نذير شؤم - تصمت
الارواح و وتُكتم الأنفاس لحظة خروج الجثمان الملوف
بالكفن الأبيض من السيارة
و يتكرر الهرج والبكاء المجنون افظع من سابقة
وكان سحابة تحمل غيام من نار اسقطت مطرها فى قلوب الحضور
يضعوا الجثمان فى خشبة الموتى ما هذا هذه المرة الأولى التى ارى
فيها دموع أبى ، هذه المرة الاولى التى ارى فيه ضعف عمى ، هذه المرة الأولى ارى
فيها مضرب المثال للرجولة والشدة يكسرهم خبر الموت ويهزهم نار الفقد ، تذكرت وقتها
(هو فيه راجل بيعيط) عرفت انه نعم الرجال يبكون اذا كان الخطب جلل و الامر عظيم ،
يسال ابى هل جئتم بتصريح الدفن يقولوا نعم
يتوافد الاقارب من البلد ومع كل وافد جديد يتعالى
الصراخ والعويل اكثر واكثر ، لم يسلم من اقارب او جيران أو اهل من الوقوع فى هذا
المنكر – غفر الله لهم –
تسير الجنازة المهيبة امام صراخ النساء وبكاء
الرجال يدخل حمدى القبر ، ويعود المشيعين
وتدخل النساء البيت ، جدتى تبكى وتمسح دموعها بطرحتها السمراء وبقايا دموع على تجاعيد وجهها – زوجة عمى أم
حمدى وهذه كنيتها تبكى بحرقة بالغة انها ايضا امى بالرضاعة فقد رضعت مع و لدها
فأصبحت انا اخ لكل ابناء عمى ذكور واناث من الرضاع
يأتى اصحاب محل الفِراشة لتجهيز الصوان لا يستغرق
الامر كثير وينتهوا بسرعه
كرسى الشيخ تحت شباك غرفتنا ، الشيخ القارىء من
جامع القزازى بعد الكوبرى القارىء صوته
رائع نفسه طويل يقرأ فى سورة مريم كنت
بشوفه لما نروح نصلى الجمعه هناك فى جامع القزازى ونسمع خطبة الشيخ احمد
الشيخ احمد كان مميزا فى التشويق ويقف عند اماكن تجعلك تأتى له المرة
القادمة
الشيخ احمد كان بيمشى بحذاء (على سجادة المسجد)
عرفت بعدها انه خُف ولا غضاضة فى ذلك
يقصر القارىء بين الوقفات حتى يعطى فرصة لهذا
الكم الغفير ان ينصرف ويأتى مكانه أناس اخرون ليتبادلوا الكراسى
يتبادل ابى واعمامى المرور بين الصفوف ويرددوا كلمة شكر
الله سعيكم مع رفع الايدى بالعرفان للحضور
يمر اليوم و لا ادرى ان زار النوم الجفون ام
اصاب الجميع العناد لاستقبال يوم قادم
و يا
لحكمة الله فى نعمة النسيان و هدوء نار
الفقد بمرور الزمن وان كان الذكرى موجعة و الحنين يدمى القلب
وقد كان أبى كلما زرنا الاسماعيلية يتركنا وقت طويل ويذهب ليبحث عن حمدى فلم يصدق
انه مات وكان يردد لم يميزا وجهة لما كان
فيها من اصابات ولكنهما تعرفا عليه وايقنا انه هو
بذل ابى مجهود كبير فى محاولة التخفيف خاصة على
بنات عمى فقد كان يداعبهم ويلاعبهم فهو اقرب الاعمام لهم سناً ـ
واكثرهم تعليماً وثقافة
صندوق خشبى فى صالة البيت عليه رسمة هلال احمر
متكوب عليه اخزاخانة كنا نضع فيه مرهم وميكروكروم وشاش وقطن لاى اصابات خفيفة تحدث
سعيد السكرى مازلت اتذكر شكله الى الآن صاحب حمدى
داوم بعد وفاته المجىء الى البيت للتخفيف عن الاهل والاخوات يظل حتى وقت متأخر
يتحدث مع زوجة عمى فى وجودنا ابن عمى الصغير وانا
واحيانا ابى ظل على ذلك اكثر من شهر ، عرفت بعدها دون ان يبلغنى احد
انه كان يريد التقدم لاحد بنات عمى ولما قوبل بالرفض انقطعت اخباره
مع دخول الصيف تختلف الالعاب
الى جانب الكرة و لعب البلى و الجرى و صياد
وحمام و السبع طوبات
كان فيه لعبة اسمها حبة ملح
مكونة من خمس افراد ، اربع افراد يقف كل منهم فى
زاوية يقف الخامس فى المنتصف ويذهب لاحدهم
ويقول له حبة ملح يرد عليه ويقول عند الجار ويتبادل الاربعة الاخرين اماكنهم فى
هذه الاثناء و لو استطاع ان يقف مكان احدهم اثناء عملية التبادل يقف فى الوسط
الشخص الذى تم اخذ مكانه وهكذا
ويظهر عم على بعربة الايس كريم (الجيلاتى) كنت
احب الحليب بالمانجو كان عم نبيل البقال عنده ايس كريم فى دكانه لكن جيلاتى عم على
فى عربته احلى واطعم ، بعد ما يضع الايس كريم على البسكويت او فى الكوب يضع فوقها
بعض المكسرات ، كل ما نقول له اتوصى شوية
يا عم على يقول حاضر
فى الصيف يظهر التوت كنت احب التوت الابيض و كنت
أكل الاسود احيانا ، لكن التوت الاسود
يترك علامة فى الفم لذلك كنت احب الابيض اكثر
من الالعاب المؤذية لعبة الاستك نشترى الاستك واحيانا نضع فيه
بقايا السجائر و نصوب نحو اجساد المارة وعندما نريد ان نمعن فى الأذى أكثر و أكثر
نستبدل مكان بقايا السجائر مسمار صغير نثنية بالاسنان ونضعه فى الاستك ونشده ثم
نتركه ليستقر فى جسد المارة ثم نفر هاربين وكانت لى حادثة ففى المرات القليلة
اوافق التى اقلد فيها هؤلاء الابالسة على فعلتهم امسك بالاستك و اثنى المسمار
و اضعه
فى الاستك واصوبه نحو اول مار من امامى ، ويا لسوء الطالع بعد ما استقر
المسمار فى جسد بنت الرجل الذى كانت تسير
لجواره .....
هناك 6 تعليقات:
معرفش ليه دايما لما بنتوجع نفسيا بنمسك بطننا او وسطنا
نفس اللى حصل معايا لما بابا جتله ازمة اخيرة فى صبيحة يوم وفاته وانا كنت حاضرة وشوفته وقلت خلاص بابا بيموت
ساعتها بطنى وجعتنى وحسيت ان جسمى سايب وفضلت ماسكة بطنى وكنت حاسة احساس القيء
اه فعلا مفيش بعد الموت فقد او وجع
اى واحدة بقابلها وتقولى ان مفيش وجع بعد وجع الطلاق وتستغرب انى واخدة امر طلاقي بشكل بسيط
اقولها انا اتطلقت بعد ما بابا مات
ومن بعد موت بابا مبقاش فيش حاجة تقدر توجعنى تاني بنفس الدرجة
الله يرحم موتنانا جميعا
السطر بتاع تعليقك على اجزخانة البيت حسيت انه مبتور
وانك المفروض كنت هتقول حاجة تانية عنه!!!!!!!!
البوست المرادى بيرضي غروري كقارئة
لانه دسم في المشاعر
ومبسوطة انك متأخرتش في نشره
وبرضه مستنية البوست الجديد
:)
سلام
اختك خيخة
الاول قبل الكلام عن البوست بذمتك جت فى البنت غلطه ولا دي معاكسه صعيدى ولا ايه :)))
البوست جميل اوي
التفاصيل والتصوير بتاعك لاحداث الموت موجعه لكن دقيقه وصادقه وده جمالها الحقيقه
انت وجعت قلبي بجد
من كتر وصفك الدقيق
تدوينه حزينه
قلبت القديم والجديد
كنا كلما سمعنا صوت اسعاف نهرش فى رؤؤسنا لاعتقادنا انها نذير شؤم
هي كانت عندكو انتو كمان ؟! :))
فكرتنا بالسبع طوبات بس عمري ماعرفت حبة ملح , ضحكو علينا ومعلموهاش لنا :)
بوست كبير ومشاعر مختلطة
الوصف دقيق انا مرة واحده فقط شاهدت فجأة الموت على عمه ابويا كنا عندها وفجأة لقيت دبدبه على الارض اتخضيت وبعدين لقيتها عماله تدبد على الارض وتعيط بس اكثر من كده مشفتش اول موت شديد كسرنى وكسر قلبى والحمد لله لم نغضب الله كان موت أمى
ولكنى سمعت من امى عن موت بعضهم وخاصة من الصعيد مايفعله اهلهم من نواح يرعب
استوقفنى لفظ طرحه سمراء بدل سوداء كانت سوداءاكثر دقه فى هذه الحال التخفيف لا يفيد
بكاء الرجال فعلا لا يكون الا فى الشده
ورأيت دموع أخى عند وفاة امى واخى الآخر لم يبكى ولكن نزف من انفه بشده
واعتبرته بكاء من القلب
وصف التفاصيل الصغيرة الخاصه بالشيخ وخاصة النعل هذه عيون طفل لماح
صندوق الاسعاف لماذا عبر ذاكرتك فى ووصفته دون ان تربطه بالاحداث
الحقيقه انا احب القصص التى ارى مكان حدوثها من خلال وصف الكاتب
رائعه يا أخى ايهاب
فى انتظار التكمله
السلام عليكم
اسمها النبلة , لعبة الأستيك :)
الشريرين اللي زيك وانت صغير كان منهم كتير في بلدنا برضو وكانوا بيحبوا يضربوا البنات من غير سبب !
ذكرك لصاحب ابن عمك الي اختفى بعد رفضه كخطيب , فكرني بناس كتير كانوا بييجوا عندنا وفجأة يختفوا :) , عرفت بعد كده كانوا جايين لنفس السبب واترفضوا
الواضح من التعليقات إنك بتكتب لنا ذكرياتنا كلنا مش ذكرياتك بس :)
إرسال تعليق