الأحد، 8 مارس 2009

مساحة للبوح

هنا خلف الباب يجلس ويضع راسة بين ركبتية المضموتين الى صدرة و يحيط ذراعية حول ساقة ويشبك اصابعة عليهما خشية ان ينهار هذا الشكل وينساب الى الارض.
وثمة ضوء خافت يأتى من أثر ضوء خارجى فى الصالة المطلة على هذه الغرفة ينساب بين ذلك الفراغ وبين الباب تدور بخلدة افكار الماضى وكيف شرد به الزمن واصبح على هذا الحال فهذه الشعلة من النشاط التى خمدت نتيجة تراكمات الصراع ونتيجة التحمل الطويل- لمستصغرات الأمور - نتيجة ذلك الكم الهائل من المفردات والكلمات التى امتلأ بها وعاءه من أفواه من يحيطوه - من تلك القضايا التى كانت اذنيه تسمعها و تفندها ويجرى على لسانه ما يسبر غور هذا و يؤلف قلب هذا و يحنو على هذا ويقسو على هذا احياناً.
لكن قدرتة لم تعد تستوعب .... فهذا الوعاء ضج وهذه الأذن تمنت لو تحولت يوماً الى لسان لا يسكت عن الكلام - فكما للبشر ألسنه هو ايضا له لسان وكما أن لهم أذنين هو ايضا له
وعندما أخذ القرار بالحديث ليعبر عن ضجرة و ضيقة ويرمى بلسانة فى أى أذن فدار ببصرة فلم يجد أحد وانفض الكل من حولة
فالكل منشغل بنفسه دائر فى فلكة لا يستطيع ان يتحمل نجما أخر يدخل الى مدارة ....
ولم يتخيل أحد ان يمكن ان تتحول هذه الأذن الى لسان يوماً وأن يستحيل هذا الوعاء الى صنبور يفرغ ماءه فى اى وعاء يلقاه....
فقد اعتاد كل طرف دورة بين من ارتضى لنفسه دور اللسان ومن استقر به الحال لدور الأذن مرغما كان أو بإرادته واصبح للسان حق مكتسب أن يرمى للأذن اى حديث من اى نوع فى أى وقت ولا يجوز لها ان تتضجر أو أن تستكفى او حتى تدير نفسها لجهة أخرى لتأخذ هدنة ....

و اذا ما انفلت يوما لوحدة يضع لنفسه عالم خيالى يفرغ فيه شحنات كتمانة وهذه الرغبة الجامحة فى البوح بأى حديث حتى ولو حدث خيالة اصطدم باشباه اقرانه السابقين ينصبون له الاشراك ليعلموا لماذا ذهب عنهم وتركهم ولماذا فضل الحديث مع غيرهم وبدلا من ان يسمعوه اعلنوا عليه العصيان فقد انتهى دورة و امتلأ وعاءه فلم يعد يستطيع ان يتحمل اى قشة من حديث أو لأنهم وجدوا أذناً اخرى أكثر تحملا و وعاءاً أخر اكثر استيعاباً
حتى ذلك الحديث بينه وبين ظله ضن عليه به الجميع . فهو على هذا الحال يخشى ان يرفع رأسه من بين قدمية فقد يصدم بضوء مبهر لم تألفه عيناه وقد تعودت عيناه على الضوء الخافت...
فذهاب البصر لا يأتى من ضعف النور
و لكن من قوته المفاجئة ...

أول إصداراتي الورقية مجموعة قصصة نقوش على ثوب الألم