الثلاثاء، 30 أكتوبر 2012

[5]

صمت رهيب ارخى بظلاله على الطريق الى الاسماعلية الذى قطعه أبى مع عمى للتأكد من الخبر المشئوم  فلم يعلما بعد بصاحب حمدى الذى اتى بملابسة ليسلمها لامة فى البيت
الدقائق بطيئة و القلب يكاد يتوقف ابى يربط وسطه بشال  امى الابيض الى تضعه على كتفها فى برد الشتاء
مرت اللحظات قاسية بين التمنى والخوف ، والجزع والفزع حينأ وبين صدمة ان يكون الخبر كاذبا نعم ستكون صدمة قد توقف القلب قبل ان يدرك احدهما حقيقة الأمر ، يمنى كل منهما نفسه ان يحدث اى شىء الا فاجعة الموت ، فكل الاخبار يمكن تحملها وكل الاسقام يمكن دوائها وكل الاوجاع يمكن تداركها وكل الجروح يتم الشفاء منها ، لكن وجع الفقد كبير ويترك فى القلب جرح لا يعرف مرارته الا من ذاقه والا لماذا قال ربنا : ما لعبدي المؤمن جزاء إذا أخذت صفيه من أهل الدنيا فاحتسب إلا الجنة
وهل من صفى اغلى من ابن فى ريعان شبابة ؟؟ ما اذكر لصوته أن ارتفع ، او عقوق بقول او فعل ، محبوب بين زملائه لكن عمله به من المخاطر ما لا يحمد عقباه الا بحول الله وقوته

ولقد رأيت كل ما نهى الله عنه عند حالات الموت المفاجىء فى شارعنا وفى بيتنا من زوجة عمى وبنات عمى
ندب حتى الاغماء ، اهالة التراب على الرأس حتى لا يكاد احدهم يرى امامه ، شد شعور وشق جيوب فقد كانت احداهن يذهب صوتها من كثرة النحيب  ، فلم ار ما رأيت فى تمثيل ولا حقيقة لا قبل ولا بعد  ولا تتورع احداهن ان تأخذ من الأرض وتضع على رأسها بطينة و ترابه

كل هذا ومازال الامل قائم ان يُكذب الخبر ، امل فى القلوب لا يستطيع أحد حتى أن يصرح به او يهون به عليهم من هول المصيبة
انا اقف فى مدخل بيت عم صبحى المقابل لبيتنا ، يستعصى علي البكاء فلا ادرك هول المصيبة ، لكن ابكى لما اراه من حزن عميق ومصيبة هائلة عمت الشارع كله ولا ابالغ اذا قلت والشوارع المحيطة والمنطقة برمتها

ساعات بطيئة ، عقارب الساعة تطلق فحيح مسموع لكل ثانية تتحرك جهة اليمين
 أذن الظهر ولم يأت الخبر ، الانتظار يضاعف المأساة ويلقى بظلاله على السواد فيزيده قتامه
  فهمت بعدها لماذا استعاذ النبى من فجأة الموت

صوت لسيارة قادم يتأهب الجميع ، يمنون انفسهم ان يكون مصاب  وفقط ، اهرش فى رأسى دون وعى -  كنا كلما سمعنا صوت اسعاف نهرش فى رؤؤسنا لاعتقادنا انها نذير شؤم -  تصمت الارواح  و  وتُكتم الأنفاس لحظة خروج الجثمان الملوف بالكفن الأبيض من السيارة
و يتكرر الهرج والبكاء المجنون افظع من سابقة وكان سحابة تحمل غيام من نار اسقطت مطرها فى قلوب الحضور
يضعوا الجثمان فى  خشبة الموتى ما هذا هذه المرة الأولى التى ارى فيها دموع أبى ، هذه المرة الاولى التى ارى فيه ضعف عمى ، هذه المرة الأولى ارى فيها مضرب المثال للرجولة والشدة يكسرهم خبر الموت ويهزهم نار الفقد ، تذكرت وقتها (هو فيه راجل بيعيط) عرفت انه نعم الرجال يبكون اذا كان الخطب جلل و الامر عظيم ، يسال ابى هل جئتم بتصريح الدفن  يقولوا نعم
يتوافد الاقارب من البلد ومع كل وافد جديد يتعالى الصراخ والعويل اكثر واكثر ، لم يسلم من اقارب او جيران أو اهل من الوقوع فى هذا المنكر – غفر الله لهم –
تسير الجنازة المهيبة امام صراخ النساء وبكاء الرجال  يدخل حمدى القبر ، ويعود المشيعين وتدخل النساء البيت ، جدتى تبكى وتمسح دموعها بطرحتها السمراء  وبقايا دموع على تجاعيد وجهها – زوجة عمى أم حمدى وهذه كنيتها تبكى بحرقة بالغة انها ايضا امى بالرضاعة فقد رضعت مع و لدها فأصبحت انا اخ لكل ابناء عمى ذكور واناث من الرضاع

يأتى اصحاب محل الفِراشة لتجهيز الصوان لا يستغرق الامر  كثير وينتهوا بسرعه
كرسى الشيخ تحت شباك غرفتنا ، الشيخ القارىء من جامع القزازى بعد الكوبرى  القارىء صوته رائع نفسه طويل يقرأ فى سورة مريم  كنت بشوفه لما نروح نصلى الجمعه هناك فى جامع القزازى ونسمع خطبة  الشيخ احمد  الشيخ احمد كان مميزا فى التشويق ويقف عند اماكن تجعلك تأتى له المرة القادمة
الشيخ احمد كان بيمشى بحذاء (على سجادة المسجد) عرفت بعدها انه خُف ولا غضاضة فى ذلك

يقصر القارىء بين الوقفات حتى يعطى فرصة لهذا الكم الغفير ان ينصرف ويأتى مكانه أناس اخرون ليتبادلوا الكراسى
يتبادل  ابى واعمامى المرور بين الصفوف ويرددوا كلمة شكر الله سعيكم مع رفع الايدى بالعرفان للحضور

يمر اليوم و لا ادرى ان زار النوم  الجفون ام  اصاب الجميع العناد لاستقبال يوم قادم
 و يا لحكمة الله  فى نعمة النسيان و هدوء نار الفقد بمرور الزمن وان كان الذكرى موجعة و الحنين يدمى القلب

وقد كان أبى كلما زرنا الاسماعيلية  يتركنا وقت طويل ويذهب ليبحث عن حمدى فلم يصدق انه مات وكان يردد لم يميزا وجهة  لما كان فيها من اصابات ولكنهما تعرفا عليه وايقنا انه هو


بذل ابى مجهود كبير فى محاولة التخفيف خاصة على بنات عمى فقد كان يداعبهم ويلاعبهم فهو اقرب الاعمام لهم  سناً  ـ واكثرهم تعليماً وثقافة  

صندوق خشبى فى صالة البيت عليه رسمة هلال احمر متكوب عليه اخزاخانة كنا نضع فيه مرهم وميكروكروم وشاش وقطن لاى اصابات خفيفة تحدث

سعيد السكرى مازلت اتذكر شكله الى الآن صاحب حمدى داوم بعد وفاته المجىء الى البيت للتخفيف عن الاهل والاخوات يظل حتى وقت متأخر يتحدث مع زوجة عمى فى وجودنا ابن عمى الصغير وانا  واحيانا ابى   ظل على ذلك  اكثر من شهر ، عرفت بعدها دون ان يبلغنى احد انه كان يريد التقدم لاحد بنات عمى ولما قوبل بالرفض انقطعت اخباره

مع دخول الصيف تختلف الالعاب
الى جانب الكرة و لعب البلى و الجرى و صياد وحمام  و السبع طوبات
كان فيه لعبة اسمها حبة ملح
مكونة من خمس افراد ، اربع افراد يقف كل منهم فى زاوية  يقف الخامس فى المنتصف ويذهب لاحدهم ويقول له حبة ملح يرد عليه ويقول عند الجار ويتبادل الاربعة الاخرين اماكنهم فى هذه الاثناء و لو استطاع ان يقف مكان احدهم اثناء عملية التبادل يقف فى الوسط الشخص الذى تم اخذ مكانه وهكذا

ويظهر عم على بعربة الايس كريم (الجيلاتى) كنت احب الحليب بالمانجو كان عم نبيل البقال عنده ايس كريم فى دكانه لكن جيلاتى عم على فى عربته احلى واطعم ، بعد ما يضع الايس كريم على البسكويت او فى الكوب يضع فوقها بعض المكسرات ، كل ما  نقول له اتوصى شوية يا عم على يقول حاضر

فى الصيف يظهر التوت كنت احب التوت الابيض و كنت أكل الاسود احيانا  ، لكن التوت الاسود يترك علامة فى الفم لذلك كنت احب الابيض اكثر

من الالعاب المؤذية  لعبة الاستك نشترى الاستك واحيانا نضع فيه بقايا السجائر و نصوب نحو اجساد المارة وعندما نريد ان نمعن فى الأذى أكثر و أكثر نستبدل مكان بقايا السجائر مسمار صغير نثنية بالاسنان ونضعه فى الاستك ونشده ثم نتركه ليستقر فى جسد المارة ثم نفر هاربين وكانت لى حادثة ففى المرات القليلة اوافق التى اقلد فيها هؤلاء الابالسة على فعلتهم امسك بالاستك و اثنى المسمار و  اضعه  فى الاستك واصوبه نحو اول مار من امامى ، ويا لسوء الطالع بعد ما استقر المسمار فى جسد بنت الرجل الذى كانت تسير  لجواره .....

الأحد، 28 أكتوبر 2012

[4]

تدخل امى وابور الجاز و الطست النحاسى بعد ما تشعله فى مسقط النور حتى لا نشم الدخان  داخل الغرفة ، ويبدأ السؤال المعتاد لى و اخى الذى يصغرنى بعامين ، من سيبدأ بالحموم ودوما اتطوع انا بهذه المغامرة ، تبالغ امى فى التدفئة حتى لا نصاب بالبرد  ، ثم  وتبدأ عملية تدفئة الماء من خلال  جالون الماء البارد ممزوجا بما يناسبة من الماء المغلى المعد مسبقا
الليفة جديدة ، لا احب الليف الجديد كلما اتخيل ملمسه على جسدى اتأفف لكن فى صمت وكالعادة لا يشعر احد بحنقى ورغبتى بعدم استخدامها لارتباطها فى ذهنى بالنظافة الحقة
اغمض عينيك حتى لا يدخل الصابون بها ، حاضر : وابدأ بضم العينين بشدة خوفا من دخول ماء الصابون بها  فتؤلمنى ، دقائق ثم ياتى دور اخى فى الاستحمام  وانتظره انا تحت البطانية ليأخذ دوره بجوارى

مر عامين ، الساعة الآن السابعة جرس الحنطور يضرب ، امى تضع  السندوتشات فى كيس بلاستيك  ، جرس اخر من ميمى للاستعجال لا اذهب هذه المرة بمفردى اخى يركب معى وامى تركب الحنطور فى اول يوم للدراسة ، السنة الاولى لاخى بالحضانة

ميمى يحمل اخى  يوصلة للحضانة وامى تسلم على  ادخل انا من الباب الواسع المخصص للمرحلة الابتدائية صوت استاذ صلاح الجهورى يزلزل المكان  ، لو سمح اولياء الامور يتفضلوا من الحوش ، يخرج اولياء الامور متثاقلين ويبدأ الطابور وموسيقى نشيد بلادى  نقول النشيد بحماس نعلى الصوت لما نراه فى وجه استاذ صلاح من جدية
ندخل الفصول تبدأ اول ايام الدراسة الحقيقة بعيدا عن المكعبات و حصص الاتيكيت
كتاب القراءة الرشيدة
الدرس الاول
عمر و امل





مستواى الدراسى فوق المتوسط لست بالمتفوق ولا بالبليد   لست بشقاوة عبد الحميد ابو شادى لالفت الانظار ، ولا بشطارة تيمور مصطفى فأشد الانتباه لكنى ملتزم باداء الواجبات وتنفيذ الطلبات
كشكول حساب 80 ورقة مجلد بالازرق ، كشكول مجهود حساب 80 ورقة مجلد بالبيج  وهكذا فى باقى المواد
وتبدأ رحلة ليلية لشراء الطلبات و التجليد و غالباً ما لا نجد لون من الالون و نضطر نجلده باى لون اخر

يوم دراسى جديد  انتقلنا من حوش الحضانة الضيق الى حوش المدرسة الواسع الرحيب شجر الكافور متناثر فى ربوع الحوش مكان الفصول مواجه لمكان الطابور  حوش اللعب مواجه لباب الخروج الخلفى

تغير اسلوب اللعب فى الابتدائى  فكان لعب الكرة بالدوم  هى الاشهر والحوش واسع ويساعد على الجرى وكان لظهور الكرة البلاستيك فى اسلوب اللعب والحفاظ على الاحذية فكانت الفسحة تتسع للاكل واللعب والنوم ان اردت
ويظل سؤال محيرنى لماذا تتحول الحلاوة الموضوعة فى السندوتش من الحالة الصلبة للسائلة ولا تتحول فى سندوتشات زملائى لا ادرى للأن حل هذا اللغز

ويمر عام اخر ، ارى حرص شديد من أبى ان يجلسنى مجالس الكبار  استمع حتى وان لم افهم فقط , ارى شبح الانفعالات و أوجه الاهتمامات واستمع للغة الحوار ،


 حتى اثناء ذهابنا لقضاء بعض الايام فى العزبة قرية عم محمد  التى تبعد عن مركز ادفينا بحيرة بقليل كان يجلسنى معه  ، فقد كان ابى قبلة للرأى ومحطة للراحة لكل شاك لما لدية من حنكة وحكمة فى التواصل و رجاحة فى الرأى فاستمع و افهم واحاول الانصات قدر استطاعتى ، و فى الليل يجلسوا الى طبلية الدومينو  ليتباروا فى لعبها  كانها المائدة المستديرة واقعد بجانهم بقدر تحملى على السهر 

تأتى الاجازة :-  ومع كل صباح ناخذ قرشين نشترى زلابية من عم رمضان على الجنبية بجوار عم احمد الصعيدى صاحب محل العطارة الذى كان يبيع ايضا البطاس والزهرة التى يحتاجها النساء فى الغسيل
كان  للزلابية  طعم مختلف بحق  عن تلك التى تصنعها امى بالبيت يمكن لانه يرش عليها سكر مطحون ، او انه يترك العجين يختمر لفترة اطول نظراً لاستعجال امى  للعجين ، تذوب فى الفم ومهما مر عليها الوقت تظل طرية لا تنشف ابدا

نلعب حتى ياتى برنامج سينما الاطفال  ونجرى على البيت للحاق به ، ماما عفاف الهلاوى وبابا ماجد عبد الرازق وننتظر حكايات على بابا والسندباد


تليفزيون ابيض واسود 20 بوصة لمبات تليمصر تتأثر الشاشة بشدة التيار تتقلص و تتزداد تبعاً لقوتة  وعند اى عطل يذهب احدنا الى عم محمد فؤاد اخو صاحب ابى يأتى لاصلاحة

فى احدى السهرات امام التلفزيون نتجمع جميعاً امام مسرحية مدرسة المشاغبين فينا من يجلس على الكنبة والباقى على الارض ، تتعالى الضحكات ويسود جو الالفة المعتاد بصورة اكبر واكبر  تتقارب الساعة على منتصف الليل طرق شديد  تنخلع له القلوب و ويسمع بعضنا نبضات قلوب الأخرين من شدة الفزع والهلع من هذه الطرقات الشديدة ، يذهب ابى ليفتح تمر اللحظات ثقيلة غاب ابى ، يخرج عمى اليه يجده جالس على درجات الحوش يسألة ما بك يا محمد ؟؟؟؟ لا يرد يعطيه ورقة ليذهبوا للقسم يلبس عمى جلبابة وأبى يسرع معه للقسم وهناك يتم ابلاغهم  الخبر
لقد مات ابن عمى لخمس وعشرون عاما  لحادث سقوطة من على سقالة اثناء عمله وهذه اشارة من مستشفى الاسماعلية  بذلك
يرجع ا بى وعمى يجر كل منهما رجليه وابى يمسك وسطة لا يكاد يقدر ان يرفعه  وقد اتفق عمى وابى ان يقولا لنا انه بالمستشفى  وانهما سيذهبا للتأكد من الخبر
وقد مرت ليلة من اسوأ ما مر بنا فى انتظار الفجر والتاكد من الخبر
وذهب عمى وابى مع بزوغ الفجر  وما انا ذهبا حتى جاء صاحب ابن عمى ومعه ملابسه وتأكد الخبر بموت ابن عمى وهاج البيت وماج  فى انتظار وصول الجثة .......

الأحد، 21 أكتوبر 2012

[3]

يدى المرتعشة بيد امى  وشنطتى الحمراء خلف ظهرى ومريلتى البمبى المنقطه ارتديها بعد كيها عند عم محمد المكوجى ، نقترب من المبنى المهيب باب الدخول من الشارع الخلفى وباب الادارة من الشارع الرئيسى شجر وزرع يغطيان يافتة المدرسة ، زحام فى اجواء شهر اكتوبر و كل ولى أمر ( أم – أب – سائق ) فى يده طفل او اكثر ليسلمه ليومه الدراسى الاول ، استسلام من الاطفال ودموع متأهبة فى المأقى للانطلاق والسنة متأهبة للصراخ  لفراق الاهل فى اليوم الاول وصوت ضوضاء على هيئة همهمات لا تستطيع ان تميز شىء ولا تفهم شىء منها مهما حاولت استراق السمع ،مفروش رمل كثيف امام باب المدرسة حبات من الرمل بدأت تدخل فى الشراب افرك اصابع قدمى احاول مرة بعد مرة حتى تنزل حبات الرمل فى قعر الحذاء و احس بالراحة ، الحذاء ممسك بجانبى قدمى على وعد من امى وابى انه سيتسع بعد يوم او اثنين ،  شعوري المتوجس  المترقب لهذا العالم الجديد ، مغص طبيعى  ببطنى  ، اخفى عن امى اى توتر او انزعاج فانا المتحمل دوما ، ما بكيت على لعبة ضاعت او شىء اخذه احد منى وان بكيت فيكون فى صمت لا يشعر به احد سواى هكذا كانت الرجولة الا يراك احد تبكى (هو فيه راجل بيعيط؟؟!!!) لذلك تعجبت عندما علا مكبر الصوت ينادى على الاطفال ليدخلوا من الحاجز الخشبى الاخضر الذى يفصل بين حوش الحضانة والمكان المخصص لوقوف اولياء الامور وتعالت صراخهم وبكاؤهم، توالت الاسماء وهتفوا باسمى وتركت يد امى وذهبت دون اى اثار لدموع او بوادر قلق الا بينى وبين نفسى لا ابديها لها، ابتسمت لى حتى غبت عن ناظريها

ذهبت امى لباب الادارة لتملأ بيانات وتستلم كارنيه المدرسة وتعرف فصلى و تبلغهم من يقوم باستلامى عند انتهاء اليوم

دخلت الفصل بعد ان وضعوا على مريلتى شارة  بيضاء فاصبحت فى فصل حضانة ابيض وظلت هذه الشارة البيضاء تميزنى انا واصحاب هذا الفصل حتى وصلنا للصف السادس الابتدائى
اتحسس الشارة والدبوس المشبوك بها ، اخشى ان تقع الشارة واخشى ان يشكنى الدبوس

 رسوم كارتونية لبطوط وعم دهب على الحائط ، كراسى خشبية باللون الأخضر والمنضدة بلون اقرب الى الاحمر ، المسافة بين الصفوف كبيرة وكذلك بين الاعمدة التى كونها الاطفال بجلوسهم على كراسيهم خلف بعض  تسمح بالسير بين الاعمدة  باريحية شديدة
  تهب رائحة الشجر المخالط للندى تحمله نسمه هواء  تدخل من انفى تتخلل كل ثنايا جسدى وتذكرنى بنفس شعور الخوف من المجهول  الذى تركته امى للتو عند مغادرتها

تدخل مديرة المدرسة سمراء متوسطة الطول ترتدى زى الراهبات - كنت احسبه فى البدايه الزى الرسمى للمديرات- ينادونها الاخت ايلين ، نظراتها حازمه ابتسامتها مقننه تطمئن على الفصل واستقراره

ويبدأ التعارف كل طفل يقف يقول اسمه  وبدات تتوالى الايام فى الحضانة

فى الطابور تمر المشرفة لتتاكد من الاظفار وطولها، والشعر ونظافته ، والملابس وهندامها ونظافتها
حصة الاكل ، وكرسات التلوين ( بطيخ ، تفاحة ، وزة ، بطة)، الدرج المفتوح الذى نضع فيه الكراريس والكتب الصغيرة- دادة عايدة  المسئولة عن اصطحابنا لدورات المياه – الشجرة الضخمة وما تحتها من اغصان صغيرة  سقطت منها وثمار ناشفة غير صالحة للاكل اشبه بالنبأ لكنه داكن صلد – الجرس الذى يضرب كل فترة  لينبأ عن الانتهاء من حصة والدخول فى اخرى – اليوم طويل اشعر بجوع سندوتش الجبنة خلص ، والحلاوة كمان
ينقذنى صوت الجرس  معاد المرواح  الشنطة على ظهرى خفيفة الشنطة  نقف طابور كل طفل يده على كتف زميله ونمشى زى القطر  امى منتظرة خدتنى فى حضنها وانا مشيت بلا ابداء اى اسباب لخوف

يبحث ابى وامى عن وسيلة تنقلنى للمدرسة كل يوم فالمدرسة بعيده عن البيت بعض الشىء مقارنة بسنى الصغير  ولم يأخذ الامر  كثير من التفكير فكان لجيراننا وهم اصحاب المنزل الذى نعيش فيه لهم بنتان فى اواخر المرحلة الابتدائية فى مدرستى وكانتا تستقلان حنطور ليوصلهما فذهبت امى لخالتى عايده والدتهما وابلغتها ان ابى يريد ان يقابل سائق الحنطور ليتفق معه ان يوصلنى  للمدرسة

وبذلك تم الاتفاق ان اركب الحنطور  ليوصلنى للمدرسة ويرجعنى منها  وفى هذا الايام  تعلمت مسك القلم لكتابة الحروف وللتلوين
المدرسة اجازة يوم الاحد بالاضافة الى الجمعة ، كل عيال الشارع فى المدرسة لا مجال للعب يوم الاحد ده غير مجدى بالنسبة لى كاجازة ، ولما ارجع للمدرسة  الاقى الاطفال عملت ايه امبارح واحد يقول رحت النادى والتانى يقول دخلنا سينما وانا اقف فى شباك غرفتنا اتفرج على الناس اللى رايح واللى جاى وحمار الشباينة جيراننا الفلاحين  فى البيت امامنا راجعين من الغيط و ساحبين البهائم ورائهم وعلى الحمار حمل كبير من الحطب ، رجعوا من المدرسة ابن عمى وابوليزيد يهرولون  وراء الحمار شدوا من على حٍمل الحطب عودين  ويتباروا بهم  مثل السيوف ، نزلت انزع  عود حطب شديته لكن طلع  فيه بواقى قطن نظفته  وسويته وقعدت العب معاهم
وقفت استنى ابويا على الباب معاده الساعه 345 لما بيكون وردية نهارى  سمعت صوت القطر وصفارته الطويلة قعدت انادى قطر بابا جه قطر بابا جه  انظر للجسر واشوف القطر هيهدى ولا هيمشى سريع
يارب يهدى لما بيهدى بابا بينزل منه وهو ماشى ولما بيمشى سريع يبقى هستنى لما يروح المحطة وبعدين هياخد وقت
هدا القطار وابويا نزل معاه الجريدة ينزل من على الجسر ويعدى من الفتحه اللى تحت الكوبرى ويدخل الشارع  اجرى عليه احضنه وعبد الله  ابن عمى كمان بيسلم عليه ويقول له ازيك يا بابا  ما هو  كلنا كنا بنقول له يا بابا انا وولاد عمى كلهم الكبير منهم والصغير  ويتكرر هذا اليوم بتفاصيليه

-          الحنطور يضرب بالجرس فى الصباح اول يكربج بالكرباج ، اطلع اركب ساعات كنت بركب جنب عم ميمى 
   وساعات تانية كنت اقعد جوه ، لما يبقى فيه شتا كنا كلنا بنقعد جوه وعم ميمى بيلبس طاقيه مبطنه من جوه   
  بالفرو جلد من بره لونها اسود وفيها حاجة منزلها على ودانه علشان تدفيه
       عم ميمى كان بيشرب سجاير كثير وساعات واحنا ماشيين كان يحود يغير للحصان الحدوة  اللى بيحطها 
       فى  رجليه
            عم ميمى كان بيحمى الحصان وينظفه بفرشة
           الحصان ساعات كان بيعيط كنت بشوف دموع فى عنيه
-          اروح المدرسة ونلعب وندرس
-          ارجع من المدرسة استنى ابويا ونتغدى ونعمل الواجب ولو فيه وقت بعد العصر نلعب شوية
-          اتشطف والبس لبس النوم وانام

الأربعاء، 10 أكتوبر 2012

[2]



عدنا للبداية  اول بيت على اليمين منزل من طابق واحد يعلوه سطح بمساحة البيت كله عدا مسقط النور
باب البيت الخشبى لم اذكر ان كان له قفل من الخارج ابداً ،  فلابد من تواجد احد  فى الداخل  ويتم قفله بعرق خشب  يبات فى خطافتين خشبيتين صممها عمى الاوسط

تدخل البيت تجد طرقه نطلق عليها (الحُوش ) فى قبالة الباب و فى اخر الممر تحت السلم المؤدى للسطح الفرن البلدى آآآه اشم الآن رائحة الخبز الخارج منه والعجين المحشو بالسكر و السمن (الأبورى)   كانت ايام

قبل ان تصل الى الفرن البلدى هناك مدخل على اليمين لدخول الشقة نفسها وامامه السلم المؤدى للسطوح وما عليه من خيرات من طيور  و بذلك يكون الفرن مستقرأ اسفل السلم
واذا دخلت الشقة تجد على اليمين اول حجرة (حجرتنا ابى- امى- انا – اخى يصغرنى بسنتين- اخى الصغير يصغرنى بخمس سنوات) – بها سرير خشبى يتوسط الغرفة ولجوارة حاوية الملابس (دولاب) خشبى شباك مطل على الشارع 
 واذا استقبلت الحجرة كان على يسارها حجرة عمى الكبير عمى-زوجتة ثلاث بنات اقلهم عمرا تكبرنى ب 7 اعوام وولدان الكبير لم اعش معه كثيراً الا انى اذكر مشهد وفاته المأساوية ومشهد دفنه والعزاء فقد مات فى ريعان شبابه عن ثلاثة وعشرون عاماً، اما ابن عمى الاصغر فهو يكبرنى بشهر واحد
وأمام حجرتنا من الناحية المقابله لها حجرة جدتى أم ابى بها سريران واحد لها والأخر كان ينام عليه بنات عمى كلهن او بعضهن او يتضامن بعضهن مع بعض ويتفرشن الارض جميعا خصوصا فى الصيف

وبين هذه الغرف توجد الصالة نسميها نحن (الفَسَحة) بفتح الفاء والسين بها كنبة وحيدة  وعلى بلاطها الحصير ليس المصنوع من البلاستيك ولكنه الحصير المصنوع من القصب كانت له رائحة زكي ويتفرع منها المطبخ والحمام من فتحة واحدة
وهنا باب اخر يتفرع من الفسحة هو مسقط النور ليس كما يظن البعض هو الفراغ الذى يتواجد بين البيوت يسمح بفتحة للمنور ولكنه غرفة كبيرة اكبر من اى غرفة فى البيت سقفها السماء

ابى موظف فى احدى شركات الغزل والنسيج ، امى كانت تعمل ثم  اقعدها ابى عن العمل  بعد ولادة اخى الاوسط بقليل ولذلك فقد عهدت امى ربة منزل  واظن انها قعدت من العمل وعمرى ثلاث سنوات

 عمى موظف فى احدى شركات النقل
زوجة عمى  ربة منزل ابنة عمى  الكبرى لم تكمل تعليمها لكنها تعرف القراءة والكتابة و أمهرن فى شغل البيت

فى سنينى الاولى وبدأ وعيى بالمكان والزمان لا ارى فى هذا البيت غير الدفء والحنان والمودة – كلنا اخوة و  انادى لعمى بلفظ ابى وينادى اولاد عمى بلفظ ابى لدرجة ان جيراننا فى الشارع لم يعرفوا من منا ابن فلان او فلان لكن كلنا اولاد ذلك البيت
ما زلت اذكر شكل امى  بعد منتصف الليل تقوم من سريرنا لتفتح لابى عند عودته من العمل  فى حال كونه يعمل وردية ثانية  و دقات يده برقه  على الشباك ليوقظنا لفتح الباب له ، و البالطو البنى او الاسمر مازالا شاهدين على ايام برد الجو ودفا المشاعر وكثيرا ما كنا نصحو ليضمنا فى حنانه  او نظل نائمين ليطبع على جبيننا قبله
و قد يتسائل البعض لماذا تركت امى العمل
الامر لا يخلو من طبيعة الخلافات بين زوجات الاخوة (السلايف) ورؤية كل منهما بان يتساوى فى عمل البيت  ، فلما كان اخى الذى يصغرنى بعامين طفلاً رضيعا ، و كالعادة ذهبت امى  للمحطة فى طريقها للعمل فقد كانت تتاخر ساعة للرضاعة وما ان وصلت للمحطة حتى وجدت زوجة عمى تحمل اخى و تطلب من امى ان تاخذه ، نظرت امى بذهول واضح وقالت اخده معى الآن؟؟؟
ردت وقالت لا دخل لى يمكنك أخذه للشغل: او تأخذى انت أجازة
قالت امى: كل اجازاتى انتهت وخلاص معدش ليا اى اجازة وجالى اكثر من انذار بالفصل
ردت:  وانت كمان عارفه ان النهارده يوم الخبيز ومش هنبقى فاضيين وكفايه انك مش معانا فى يوم الخبيز ده
قالت امى : ما انا على طلو بكون معاكم  بس المرة دى مش هينفع علشان هتفصل
ردت :  خديه معاكى او اتصرفى وتركت لها اخى الرضيع
اخذت امى اخى وذهبت لزوجة عمى الاخرى فى بيتها وقصت عليها وطلبت منها ان تترك عندها اخى لحين عودتها لكنها تحججت هى الاخرى بالخبيز وانها لن تكون فاضية
فاقسمت عليها امى ان تتركه معها وانها سوف تتصرف وتأتى ولن تكمل اليوم فى الشغل فوافقت على مضض
فلما ذهبت امى الى الشغل وسبقتها دموعها رآها مسئول الحضور ، فقصت عليه فاشفق عليها وقال لها ارجعى لابنك وانه سوف يتصرف
ولما عرف ابى الأمر قرر ان تترك امى العمل و تجلس بالبيت

وجلست امى فى البيت وتفرغت لرعايتنا  وقد كان هذا بداية الشقاق الذى لم الحظه وقتها لحرص  ابى على تجنبنا لكل المشاكل ومهما يحدث فنحن يربطنا الدم والود والمحبة لكنها طبيعة الحياة لا يوجد بها سعادة دائمة

ولما كان عمرى ثلاث سنوات قرر ابى ان يدخلنى مدرسة خاصة بمصروفات مع ضيق ذات يده - و كان فى وقتها مدرستان فقط فى المدينة كلها من تعمل بمصروفات ويدخلها اولاد الذوات  والتجار من الاغنياء- وكما ذكرت سلفا انا وابن عمى الاصغر لنا نفس العمر  فعندما ذهبت امى لتقدم لى فى المدرسة ظنت زوجة عمى ان تاخذ ملف لابن عمى معها وتقدم لنا نحن الاثنين معاً كعادتها  عند شراء ملابس او ما شابه كانت تشترى لى وله نفس الشىء وقد يكون ايضا نفس الالوان و قد كان هذا سبب لشقاق اخر تحمله النفوس  حتى لو لم يظهر على الجوارح والافعال

لما علم عمى الاكبر بعزم ابى على دخولى مدرسة بمصروفات أتى بابى وحاول اقناعه بالعدول عن هذا القرار  لضيق ذات اليد وان هذا سيكون معوقا كبيرا وكيف سيسدد مصروفات لا قبل له بها
الا ان ابى اصر على موقفه وادخلنى المدرسة وكانه كان يراهن علي ذلك

اصبحت بين عالمين بعد دخولى الحضانة  متضادين تماما وصنفين  من البشر بينهما اختلافات عظيمة عالمى الاسرى وما يحوطة من بيئة شعبية ترى فيها كل انماط السلوك وبين بيئة تتحدث عن الاتيكيت واليونىفورم و تهتم بنظافة الشعر والاظفار ومع كل ما كان يحاط بنا من رعاية وعزله عن بيئتنا الاصيلة الا اننا كاطفال نرى ونسمع ونحتاج الى اللعب فى الشارع  ولا يوجد لنا جيره غير هذه البيئة ،

جيران بيئتى الاسرية :- اول بيت بالجوار بيت الظمأن تسكنه خالتى ام احسنى لا اذكر كم عدد اولادها الا انهم لا يقلون باى حال من الاحوال عن عشرة انفس بين الصبيان والبنات حسنى-عيد-(محمد ،احمد)توام-مسعد-ابراهيم-اشرف-محمود-صفاء-سلوى غير الذين توفوا عند الولادة – كانوا يطلقون فى الشارع لتربيتهم وتعليمهم ولا اظن ان احدا منهم تعلم او تخطى على اقصى تقدير المرحلة الابتدائية

وفى مدخل بيت الظمآن غرفة متهالكة لعم السيد فروخة المسئول عن اصلاح بوابير الجاز وسد الفونيا وكان يستخدم فِل اغطية المياة الغازية السميكة فى اصلاح الرفاس المسئول عن اعطاء نفس للباجور حتى يخرج منه الجاز لتهيئتة لاستقبال النار حتى تسخن العده قبل ان اعطاء نفس اخر للبابور حتى يتوهج التوهج الملائم لطبيعة ما قد يحمله فوقه من طعام وتسخين عدة الباجور(بابور) هذه ظهرت قبل اكتشافى لامكانية وضع سبرتو فوق طربوش الباجور وايقاد النار به لتهيئته للتوهج وحتى لا يخلف وراءه دخان يضر بالصحة والبيئة وايضا لجعل لون توهجه مائل للزرقة من فعل السبرتو



ثانى بيت خالتى ام سعيد لا اذكر من هذا البيت الا انها الرخامة والغتاتة تجسدت فى بشر ، وكانت المرة الاولى التى ارى فيها ست تشرب سجاير  وان كنت لا استبعد عندما استرجع منظرها الآن انها لا تكتفى بالسجائر انما تمتد للمخدرات هى واهلها و كانت تسليتها عند اقتراب شم النسيم و يوم سبت النور ان  ما تطوله يدها من الاطفال فى الشارع تمسك به وتضع له كحل و ومنظر ابتسامتها العريضة  المنتصرة واسنانها النحاسية او الذهبيه بارزة من شهوة الظفر باحدنا تضعه تحت اقدامها وفخذها

فكل الشارع تقريبا من اصحاب الحرف والصنعات بين فلاح ، ميكانيكى ، سباك وغيرهم  وجيلى من الاقران غالبا ما يساعدون ابائهم فى اشغالهم اضافة الى انتسابهم للدراسة فى مرحلتنا الابتدائية

وعلى الجهة الاخرى فى الحضانة ابن الدكتور، المهندس ، الطيار ، الضابط ، التاجر

(شعار المدرسة)

و تضاعف مجهود امى وابى معنا فى التربية  لخلق التوازن بين هاتين البيئتين ووضع سياج من الادب والعيب والحرام حولنا لنتناغم بالشكل المناسب مع هذه البيئة و بيئتنا الدراسية ،وساعدهما فى ذلك طبيعة اسرتنا الممتدة المتماسكة بطبعها والألفه السائدة بينها و قدرة ابى على الاحتواء والاقناع مع حنان امى الذى لا شك فيه
ثم جاء شهر  اكتوبر لينبأ باول ايام الدراسة فى الحضانة الذى لا اذكر تفاصيله لكن اذكر منه ما هو جدير بان اقصه عليكم

أول إصداراتي الورقية مجموعة قصصة نقوش على ثوب الألم