الثلاثاء، 8 سبتمبر 2015

[12]

سنة فارقة حوت أحداث كبيرة  أثَرَت في نفسي و أثْرتها ،يوم كمثله من الأيام نقوم في الصباح نشتري الزلابية من عند عم رمضان و نشق بها ريقنا ، ستي جنب الباب تخرط بقايا الأكل للفراخ في حرفية و تحمل الطبق البلاستيك على رأسها ، و في يدها طبق الالمونيا فيه الدشيش المعجون بالماء و تطلع في السطح لأولادها ، ينتصف النهار ياتي عمي يأكل تصبيره بلقمة ناشفه مخبوزه من عيش الفرن البلدي مع أي خضرة و حتة جبنة، ننتظر أبي كعادته ينزل من القطار من شريط السكة الحديد المطل على البيت في تمام الرابعة، يجمتع ولاد الحارة للعب "كرة-بلي- السبع طوبات-الحجلة- ..الخ"
   فكنت بين بيئتين مختلفتين تمامًا أولها تلك المدرسة الخاصة التي كنت اخجل أحيانًا من ذكر إسمها أمام أولاد الحارة حتى لا يتخدوني مجالًا للسخرية و الاستهزاء فقد كانت المدرسة الخاصة من وجهة نظرهم للأولاد المرفهين أصحاب المال و المناصب "العيال الفافي" ، لم يدركوا حينها أن هناك  آباء استدانوا و طفحوا الدم حتى يكمل اولادهم تعليمهم في مثل هذه المدارس. و الشهادة لله كان تعليم رائع و مازلت أذكر بالحسنى المدرسين  أستاذ شعيب و استاذ صلاح و مدام جورجيت .. 
و ثانيها بيئة المدرسة نفسها كنت أخجل أن افصح عن مكان اقامتي و الحال التي نعيشها مقارنة بما آراه من مصروف للأولاد في أيديهم و منظر شنطهم و حتى السندوتشات و مشترياتهم من العربة أمام المدرسة أثناء الفسحة.
"كنت أستغرب جدًا من سندوتش ا لحلاوة الذي لا يسيح من الشمس بتاع تيمور ، مع ان سندوتش الحلاوة اللي كنت باخده كان بيسيح من اول حصة و بيلزق كمان في الكيس ، ازاي للآن لا اعرف" ، فقلت يمكن أن تكون حلاوة ذات مواصفات خاصة تأتي من محلات خاصة لسكان مناطق معينة أو يمكن أن يأتي أحدهم بالسندوتش طازجًا قرب موعد الفسحة ، و عندما يأتي الحديث عن التليفزيون و ما شاهده بعضهم من أفلام أجنبية كان معظم الحديث عن "بدسبنسر" و كيف فعل كذا و كذا و لانه لم يكن لدينا تليفزيون وقتها ، فكنت أحيانا اسمع من مجموعة ما دار في فلم أو مسلسل و أذهب لمجموعة أخرى تكرر نفس ما قالته الأولى فأظفر بنشوة المعرفة السمعية على الأقل .
بين أولاد الحارة و هيئتهم " ابوليزيد "زيدة"، و منعم "أرخم مخلوق على وجه الأرض"،و أشرف "رزق"، و أشرف "فاكهة"..الخ"و اللعب في الشارع و التراب ـ و بين أولاد المدرسة  "أحمد عاطف، و احمد مناع،صمويل، ميشيل .. و بونجور مدام الخ " ادور في فلك هذا الانتقال من بيئات مختلفه فقد صقلت شخصيتي بطريقة أو بأخرى و تأثرت بذلك سواء شعرت أو لا.

- اسم أمي كان يمثل لي مجالًا أكبر للسخرية من عيال الحارة عامة ، و ابن عمي و اخي في الرضاع خاصة  و ذلك قبل أن اعرف معناه و قصته . عندما ينضم  الى سخريتهم  
- قاربت الأجازة على الانتهاء بشائر الدراسة تهل بنسيم خريف يحمل عامًا مختلفًا ، أصبحت الآن في نهاية ا لمرحلة الابتدائية أرجع بذاكرتي الى الوراء و رائحة العيش المحمص من فرن أم علاء و سيري مع أبي بعد الفجر يرتل جزء من سورة مريم و أردد خلفه،و حقنة عم محمد في مرض أمي، البيجاما الكستور و تفصيلها كبيرة علشان هتكش طبعًا بعد الغسيل، أشياء متداخلة لا علاقة لها ببعض استوقفتني على أعتاب هذه السنة
- تبدأ الدراسة و يدخل أستاذ صلاح مدرس الحساب بقامته الممشوقة و صوته الجهوري و حبه الذي زرعه في قلوبنا و الرهبة التي نالها منا حتى و ان لم يكن قد درس لنا من قبل لكن طابور الصباح و الاذاعة كانت كفيلة بأن ينال هذا الاعجاب الذي لا يخلو من رهبة ، شرح مميز خط جميل ، أستاذ شعيب مدرس اللغة العربية اعرج الرجل يمسك طباشيرة و يكتب التاريخ الهجري و الميلادي كأنه فنان يرسم لوحة خط رائع و شرح لذيذ مميز و كان اذا تضايق ممن أحدنا  شد أذنه بقوة وقائلا يا كلب يا وسخ ، مدام جورجيت و مدام سهير و ... لكن ما ظل عالقًا في ذهني لليوم هما المدرسان الجليلان صلاح و شعيب.
- تمر أيام الدراسة و تنادي علي ال ما سور "مديرة المدرسة" تخبرني بأدب أنه لابد من دفع المصروفات يترك الخبر علامة في نفسي دون أن أظهر شىء يلاحظة زملائي و أذهب للبيت لأبلغهم بالامر 
استاذ صلاح بصوته الجهوري يقول اللي هيقل عن 55 من 60 في امتحان الشهر هينضرب عدد الدرجات اللي نقصها ، كل لما يدخل بورق العرايز يكون الكل مترقب درجته ايهاب محمد عبد الله 58 أتنفس وقتها الصعداء ، و أفرح بامضاء أبويا  على الورقة .
- في الفرنساوي كنت خايب شوية في مرة جت المدرسة توزع الورق ، لقتها بتنادي الاسماء و لقيت اسمي بيتنده خير اللهم اجعله خير بس لما لقيت اسماء ناس شطار معايا اطمنت شوية و لقيتها بتقول للفصل صفقوا لهم استغربت و عرفت بعدها اننا جبنا الدرجة النهائية في سري ازاي حصلت دي أكيد الورق اتبدل 
- حصة كاملة لملىء استمارات الامتحان ، لجنة الامتحان مدرسة طنطا الاعدادية بنات.
يقترب موعد امتحان أخر العام ، يساعدني أبي في فهم مسائل الرياضة(على شاكلة أب ضعف عمر ابنه...) و حفظ المساحات و الحجوم للاشكال .
- قبل الامتحان بليلة كنت زهقت من المذاكرة و حصل لي زي سدة النفس ، أخذني أبي و ذهب بي للسينما أيوه للسينما كان معروض فلم فتوات بولاق و الشيطان يعظ في بروجرام واحد  على سبيل انه يفرفشني، و رجعنا و شربنا عصير قصب من المحل اللي تحت السينما 
 - يوم الامتحان لا يخلو الأمر من كركبة بطن من طبيعة الامتحان و أيضا من الغربة التي وجدتها في مدرسة أخرى غير مدرستي الأصلية تأتي مديرة المدرسة لتطمئنا و تشد من ازرنا و تنبهنا على عدم الغش
- مر امتحان العربي في اليوم الأول و في فترة الفاصل بين الامتحانات وجدت ابنة عمي الكبرى مديحة تنتظرني و معها بسكوت و حاجة ساقعة اعطتهم لي 
انتهت أيام الامتحانات و بدأت الأجازة و مع بدايتها اشتد الخلاف بين أبي و عمي و انتهى المآل إلى ضرورة ترك بيت العائلة - راجع ما قبل البداية - و كان المخطط أن نقعد في بيت مدة مؤقتة لا تتعدي شهر أو شهرين ننتقل بعدها لشقة تتبع عمل والدي بالمحلة و امتدت المدة المؤقتة لتصبح ست سنوات كاملة .و لهذا حديث أخر


ليست هناك تعليقات:

أول إصداراتي الورقية مجموعة قصصة نقوش على ثوب الألم